السيد محمد بيرم الخامس التونسي

66

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

1296 ه ملهى مركبا من سودان أفريقية سموهم « بالزلوس » لوقوع الحرب بينهم وبين الإنكليز في ذلك التاريخ ، لكنهم في الواقع من سودان مصر كما صرحوا لي أنفسهم بذلك ، ويتكلمون بالعربية ويصورون حروبا وغيرها . ومنها : « جردان دي بلانت » وهو مثل السابق غير أن بينهما عموما وجهيا فالأول : أبهى منظرا وأكثر حيوانات ، والثاني : يشتمل على الحيوانات المسبعة التي يمنع وجودها في الأول لأن الثاني للدولة وفيه كل السباع إلا الكركدان فقد كان لهم منه واحد لكنهم أكلوه عند محاصرة باريس سنة 1287 ه سنة 1870 م . ومن أعجب ما رأيته من الثعابين ثعبان أسود في غلظ عقدتين وعيناه حمراوان جدا ويظهر عليه خبث شديد والزجاج المحيط به مرمد ووراءه أسلاك غليظة من الحديد مشبكة تشبيكا ضيقا ، ويقال إن سبب ترميد الزجاج : كون شعاع بصر الثعبان مسموما ، ورأيت فيه الحيات على أنواع ، ويلقون إليها أولاد الفار الصغار قبل نبات الشعر بجلدها فتنهشه الحية وتعرض عنه فيلقى مغشيا عليه يضطرب ثم تعود إليه إلى أن يموت فتأكل منه ، ولعل ذلك لأنها متعودة على أكل مثل ذلك . وانظر من هذا المقدار اعتناءهم بتربية كل حيوان على طبيعته ، كما ينفرد هذا البستان بكونه فيه دار للتشريح والتاريخ الطبيعي مجسما فكانت جميع الأجسام من أنواع الحيوان فيه مصبرة ومشرحة والإنسان على جميع أطواره من النطفة إلى الشيخ الفاني ، كما يوجد فيه خزنة للكتب في الفن المذكور . ومنها : قصر معرض سنة 1857 م الذي جعل فيه الآن أنواع الصور والأصنام . ومنها : قصر « اللوفر » الضخم المتقن البناء والتأنيق الملوكي ، وكان مسكنا للملوك والآن معرضا للظرف والآثار الدهرية ، وفيه بيت يشتمل على بعض بدائع ملوكهم ومجوهراتهم . ومما فيه : مائدة من المرمر الأبيض مرسوم على سطحها خريطة أرضية بألوان المرمر الأخضر والأحمر وغيرهما ، بحيث أن كل جهة من الأرض بلون خاص وفيه بيت لآثار الصينيين وآخر لدواخل أفريقية وآخر لأعمال « فرديناند دي لسبس » مسمى باسمه وفيه صورة خليج السويس مجسمة مع جميع آلات الحفر والأشغال ، وعدة بيوت لصور تشتمل على عشرات الآلاف من الصور وأخرى لبلدان مجسمة وبحار وسفن ومراسي وجميع غرائب الأقطار ، يقضي فيه الإنسان عدة أيام ولا يستوفي حصر ما فيه وقد أخذ من هذا القصر قسم لإدارة قسم من مالية الدولة . ومنها : قصر « التولري » الذي وصله نابليون الثالث بالقصر السابق وخربه الإشتراكيون بالحرق في ثورة 1287 ه سنة 1870 م وعينت الدولة قسطا سنويا لترميمه على أصوله والعمل جار فيه ، غير أن ما كان داخله من الفرش والظرف لا يمكن استعواضها حيث كان مقر الإمبراطور ويحتوي على أنفس بدائع الملوك ، وأمام هذا القصر حديقة بديعة نضرة وبها ملهى ينتابها الناس نهارا وليلا ، ورأيتهم ليلة معجبين من أحد العازفين بآلة كالرباب كبيرة